• ×
السبت 8 ربيع الثاني 1440 | اليوم
عثمان جبار حكمي

بقلم

عثمان جبار حكمي

المتسولون في المساجد



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وبعد لقد ظهرت ظاهرة التسول في المساجد بشكل مكثف , فعقب كل صلاة يقف أحد المتسولين أمام المصلين ويقطع عليهم تسبيحهم بعد الصلاة بخطبة يظهر فيها فقره وعجزه وعيلته وفاقته , ويطيل في شكواه ليستدر عطف قلوب الحاضرين , ويكون بما أقدم عليه قد فتح على نفسه باب الفقر , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لا يفتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ) إن ما نلاحظه من المتسولين الذين يرتادون المساجد ويتناوبون عليها أسلوبهم الموحد في عرض مسألتهم وإظهار حاجتهم , ويتمخض هذا الأسلوب على استدرار عطف الناس بإظهار المرض والعجز والحاجة الماسة والفقر المقذع ومعاناتهم في عدم استطاعتهم على توفير لقمة العيش لأهلهم وأولادهم , وقد خرجوا بهذا الأسلوب عن التأدب مع الله في بيوت الله وهذا ما قد يزيد من ذلهم وفقرهم وبؤسهم .

وسأسرد لكم بعض الملاحظات على أسلوب المتسولين في المساجد :

أولا : يقف المتسول بعد التسليم مباشرة ليلقي خطبته أمام جموع المصلين فيشغلهم عن التسبيح بعد الصلاة ويحرم نفسه أجر ومثوبة التسبيح بعد الصلاة , يقول الله تعالى : { ومن الليل فسبحه وأدبار السجود }

ثانيا : يظهر المتسول في خطبته عجزه ومرضه وحاجته للناس وبذلك يكون قد اشتكى بالله للعباد , فالمرض والفقر هي ابتلاء من الله عز وجل لعباده لينظر أيصبر العبد أم يجزع ويسخط , فإن صبر فله أجره وإن سخط فعليه السخط , يقول الله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } . فكيف للعبد أن يسخط ويقدم على الشكوى بحاله للعباد ؟

ثالثا : عندما يدخل إنسان منزل أحد الأعيان وهو في حاجة ماسة فهل يسأل حاجته من الضيوف أم يسأل حاجته من رب البيت ؟ لا شك أنه سيسأل حاجته من رب البيت ولن يتجرأ أن يسألها من غيره , فكيف بنا ونحن في بيت ملك الملوك من بيده مفاتيح الرزق والخير كيف يتجرأ السائل أن يطلب حاجته ومسألته من الناس ولا يطلبها من الله ؟ هل يئس أن يرفع يده لله في بيته ويطلبه حاجته ويدعو ربه بالرزق الحسن , ألا يعلم أن الله هو الرزاق العليم فلو أنه أدى صلاته واتبعها بالتسبيح والدعاء ومناجاة الله ثم ذهب وجلس أمام باب المسجد لكان خير له , وسيصله رزقه وافيا كما كتبه الله له , وليعلم الإنسان أن ما كتبه الله له لن يأخذه غيره وما لم يكتبه له لن يحصل عليه وإن أفنى نفسه لأجله وهنا تتحقق حقيقة التوكل على الله

رابعا : الوقوع في مذلة السؤال وترك فضل التعفف , روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدق والتعفف عن المسألة :( اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المتعففة والسفلى هي السائلة ) .
إن من آثار التعفف وقناعة النفس امتلاء القلب بالإيمان بالله سبحانه وتعالى والثقة به والرضا بما قدر وقسم .
ومن الآثار الحميدة للتعفف الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب بالحسنات , كالحسد والغيبة والنميمة والكذب , وأضف إلى ذلك ما يورثه التعفف من عزة النفس وتنزيهها من مسببات الإذلال والافتقار للناس .
وقد امتدح الله المتعففين في القرآن الكريم بقوله :{ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } وهذا يعد تكريما عظيما للمتعففين , ويكون بذلك قد حرم السائلون أنفسهم من هذا التكريم العظيم .

خامسا : إن إلحاح السائل للناس يورثه الطمع والنظر لما مع غيره وتورث قلبه الحقد والحسرة وهذا لا يعني إنكار المسألة , ولكن هل السائل يكتفي بحاجته من مسألة الناس أم يزداد إصراره عليها حتى يتخذها مهنة تدر عليه عائدا ماديا وهذا ما نلاحظه من طلب السائلين للمال دون غيره من المساعدات العينية .

ختاما : إخوتي إنني لم أكتب عن هذه الظاهرة إلا بعد أن لاحظت انتشارها في مساجدنا . وبدلا من أن نتخذ المساجد للعبادة وللصلاة والتقرب بالدعاء إلى الله وإظهار الافتقار إليه , صارت مراكز ا للمتسولين الذين يتناوبون عليها من حين لآخر .

هذا ما أراه من وجهت نظري وأحببت الكتابة عنه والتنويه إليه ومشاركتكم الرأي فيه والأمر قابل للمناقشة والمراجعة.

نسأل الله أن يرزقنا من فضله رزقا حسنا , ونسأله أن يغنينا بفضله عمن سواه ونعوذ بالله من الفقر ومن مذلة السؤال وفقنا الله وإياكم لما فيه خير الدنيا والآخرة .
 0  0

الأعضاء

الأعضاء:250

الأعضاء الفعالون: 10

انضم حديثًا: فاطمة مجرشي

التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:10 مساءً السبت 8 ربيع الثاني 1440.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.