• ×
الأحد 12 صفر 1440 | اليوم
عثمان جبار حكمي

بقلم

عثمان جبار حكمي

غرور عقل وفساد فكر


ميز الله بني آدم بالعقل ووهبه التفكير والتفكر ليتميز عن باقي المخلوقات مما أهله ليكون الخليفة في الأرض.
فجاءت الرسالات السماوية موافقة للعقل البشري ومرشدة له يستنير بنورها ويسير على هداها ليكون العقل البشري قائدا راشدا مرشدا متزنا رزينا ليتوافق مع موازين الكون وقد علم من خلق الإنسان وزينه بالعقل - جل في علاه - أن العقل البشري ذو إدراك محدود ونطاق ضيق وعلم ضئيل فلم يتركه لتخبطاته وعجز مداركه , بل وضع له منهجا قويماً يسترشد به ويصحح مساره ويعود إليه ليحيا الإنسان في أمن من العيش وسكينة في الروح ورزانة سوية في العقل , فيتهذب فكره ويرقى بتفكيره ليستحق أن يكون خليفة في الأرض إلا أن بعض العقول أدركها الغرور ورأت أنها قادرة على إدارة الكون بذكائها الخارق وفطنتها الفذة وهذا تصور قاصر قادهم للغلو في اعتقادهم الفكري المحض الذي غرر لهم بتمثيل الحرية الشخصية حتى على النصوص التشريعية فأرخوا العنان لعقولهم أن تعترض على تدخل الدين في الأمور الشخصية بشكل عام وهذا منهج ينتهجه الليبراليون الذين آمنوا بقدراتهم العقلية القاصرة .

فالليبرالية مذهب يعترض على تدخل الدين في الأمور الشخصية بشكل عام وهو مذهب مقارب للعلمانية أو هو وليدها وهو مذهب اقتصادي سياسي معا , فالليبرالي يرى أنه يحق له أن يتعبد بالطريقة التي يراها مناسبة طالما أنها لا تسبب أذى للآخرين , وأنه لا يملك احد محاسبته ما دام لم يتجاوز الحقوق الشخصية ، وهذا المفهوم يخرجهم من دائرة التقيد بالنصوص التشريعية التي يرون فيها قيودا تكبل حرياتهم وتغفل عقولهم .

لقد جنح هذا الفكر إلى تعظيم العقول وأنها ذات قدرات واسعة النطاق في قيادة الكون بما يصلح للبشرية وما يوافق فطرتهم متجاهلين بذلك المنهج الرباني الذي أقره الله - جل في علاه - لاستقرار المنظومة الكونية وضمان نقاء الحياة البشرية على الأرض من عبث العقول العابثة , إن الله سبحانه الذي خلق الإنسان وأوجد له العقل أعلم باحتياجات خلقه بما يتوافق مع الفطرة السليمة فلم يدع لأهوائهم مجالا للعبث بالمنظومة الكونية المحكمة وذلك من رحمة الله بعباده ( ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ).

إن المذهب الليبرالي الرأسمالي وجد أن الإسلام يعوق مساره ويناقض أفكاره ,فهب لنفث سمومه إلى المجتمعات ودعا للتحرر من الفروض الدينية بزعمهم أنه قيود تكبل الحريات ودعا إلى معارضة تدخل الدين في الأمور الشخصية والسياسية بحجة الحرية الشخصية للفرد وحرية السيادة الاجتماعية للمجتمع وهذا في رأيي مفهوم قاصر وعاجز عن مسايرة الحقائق والوقائع بل وتحوير المسار السليم والتعثر في رغبات أهواء النفس الأمارة بالسوء يقول الله عز وجل : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } الأحزاب آية 36 هذه الآية من آيات البلاء والامتحان والتمحيص , تضع المؤمن على المحك الحقيقي لإيمانه ليتميز الصادق من المدعي , والكيس من العاجز يا لها من آية عظيمة تكشف حقيقة الإيمان عندما يصطدم أمر الشرع مع هوى النفس وعندما يكون أمر الله ورسوله في كفة وحظوظ النفس وشهواتها في كفة إنها آية يتوجب علينا الوقوف عندها وتأمل كلماتها واستيعاب مدلولها ثم مقارنتها بالواقع الذي نحياه , والنهج الذي نعيشه فهي تحمل معنى الاستسلام لله والانقياد له فلا مجال ولا اعتبارات لهوى النفس وخصوصيات المجتمع فيما يقضيه الله.
أما إذا تخيرنا من شرع الله ما يوافق أهواءنا ورغباتنا وتركنا ما يخالف أهواء أنفسنا بحجج واهية وأعذار ملفقة ومصالح خادعة , فهذا انخلاس من الدين وتشكيك في مصداقية النصوص وتجرد من الطاعة لله ولرسوله فعندما أنزل الله هذه الآية فهو على علم بشؤون خلقه وأن ما يقضيه الله ورسوله هو في صالح العباد , وهو بحكمته القادر على تسيير الأمور بما يتناسب مع متطلبات العباد وما يضمن لهم سعادة الدارين ( الدنيا والآخرة ) ولكن غرور العقل البشري يرفض التقيد باليقين فصار مرتعا للشياطين , تستهويهم لضلال الفكر وتزين لهم الخوض في نقد النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بما يوافق أهواءهم الضالة ومزاعمهم الفاسدة وتلك العقول لا شك أنها تخلو من النور فقد هجرها اليقين كما يهجر السكان الدور فتكون مستوطنة للشياطين , فلا تستوطن الشياطين إلا في الأماكن المهجورة والخلاء وتلك العقول خيم عليها غشاوة الغرور فنسجت لها أفكار واهية كما تنسج العنكبوت بيوتها( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ).

وهنا دعوة لشباب الأمة , إن هذا الفكر خطير على مجتمعنا وديننا ومعتقداتنا وقيمنا , وهذا الفكر يصب في مصلحة الرأسمالية التي تبرر عندهم الغاية الوسيلة , ( إنه انحراف فكري للعقل ) فلنتنبه لفكر اغتر صاحبه باتساع مداركه وهو ضيق الأفق يفكر لما تستهويه نفسه وأهواؤه ومآربه وهذا ضعف بين في التفكير فالليبرالية وليدة الرأسمالية تتصف ( بغرور العقل وفساد الفكر ).

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين , وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , والحمد لله رب العالمين


 0  0

الأعضاء

الأعضاء:249

الأعضاء الفعالون: 19

انضم حديثًا: علي محمد الحريصي

التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:26 صباحاً الأحد 12 صفر 1440.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.