• ×
الثلاثاء 23 صفر 1441 | أمس
عبدالرحمن حريصي

بقلم

عبدالرحمن حريصي

خطبة الاستسقاء 1432/2/13

الخطبة الأولى

الحمد لله غفار الذنوب، وستار العيوب، وكشاف الكروب، وعلام الغيوب، يعلم خائنة الأعين وما تخفي القلوب، شديد العقاب، قابل التوبة ممن يتوب، أحمده سبحانه وأشكره شمل بإحسانه كل مربوب، ونسأله العفو والعافية ونيل كل مطلوب، ونستغفره لذنوبنا وسيئات أعمالنا، ونعوذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر وبيده النفع والضر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذاكرين الله كثيرا والمستغفرين. عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه واعلموا أن الأمور مقدرة بأسبابها، ومن الأسباب دعاء الله وسؤاله، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور بإذن الله، وإن لم يأت بالسبب انتفى المقدور، ومن أقوى الأسباب الدعاء بل ليس شيء أنفع منه، فمتى ألهم العبد الدعاء حصلت الإجابة بإذن الله، وقد دل النقل والعقل وتجارب الأمم على أن التقرب إلى الله، وطلب مرضاته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبر والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى الخلق. وقد يتخلف أثر الدعاء إما لضعف الدعاء بأن لا يكون محبوبا إلى الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف قلب الداعي وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل حرام أو استيلاء الغفلة والشهوة، فإنه قد لا يقبل من قلب غافل. وإن من أسباب نزول الغيث إقامة صلاة الاستسقاء عند وجوب سببها فإنها سنة مؤكدة باتفاق العلماء، سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أبو داود بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: شكى الناس إلى رسول الله قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ» الحديث( ).
فعلى المسلمين أن يعتنوا بحضور صلاة الاستسقاء، فكلنا فقير إلى الله تعالى فإن من الناس من لا يشهدها، ومنهم من يشهدها وهو غير موقن بالإجابة، والكل مقصر

أيها المسلمون، إن الله سبحانه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبسِ البركات، ليتوب تائب، ويُقلع مقلع، ويتذكَّر متذكِّر، ويزدجر مزدجر، وقد جعل الله سبحانه الاستغفارَ سبباً لدرور الرزق، ورحمة الخلق، فقال سبحانه: ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12]، قرأها الفاروق رضي الله عنه من على المنبر يستسقي ثم قال: (لقد طلبتُ الغيثَ بمجاديح السماء التي يُستنزَل بها المطر) [3]. فما لبعض الناس لا يرجون لله وقاراً، وقد خلقهم أطوارا؟! فرحم الله امرأً استقبل توبتَه، واستقال خطيئتَه، وبادر منيتَه، روى البيهقي وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ، فأقبل علينا بوجهه فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمسُ خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشةُ في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتُلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، وما منع قومٌ زكاةَ أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولا خفر قومٌ العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتُهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم)) [4]، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (إن الحُبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم) [5]، وقال مجاهد رحمه الله: "إن البهائمَ تلعن عصاةَ بني آدم إذا اشتدَّت السنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم" [6]. ألا فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأرض التي تحملكم والسماءَ التي تظلُّكم مطيعتان لربكم، فلا تمسكان بخلا عليكم، ولا رجاءَ ما عندكم، ولا تجودان توجُّعا لكم، ولا زلفى لديكم، ولكن أُمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود الله مصالحَكم فقامتا، ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11]، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إنه ليس من عبدٍ إلا له مصلًّى في الأرض، ومصعدُ عمله من السماء، فإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عملٌ يصعد في السماء) ثم قرأ: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ [الدخان:29] [7]. نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدرارا، وأمددنا بأموال وبنين، واجعل لنا جنات، واجعل لنا أنهارا. اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا خرجنا إليك من تحت البيوت والدور، وبعد انقطاع البهائم، وجدْب المراعي، راغبين في رحمتك، وراجين فضلَ نعمتك، اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرَّت أرضنا، اللهم فارحم أنين الآنَّة، وحنين الحانة، اللهم فأسقنا غيثك، ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، اللهم إنا خرجنا إليك حين اعتركت على إخواننا مواقع القطر، وأغلظتهم مكايل الجوع، فكنت الرجاء للمبتئس، والمجيب [للملتمس]، اللهم انشر علينا وعليهم رحمتك بالسحاب، سحاً وابلاً غدقا مغيثاً هنيئاً مريئاً مجلِّلاً نافعا غير ضار، اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتحيي به ما قد مات، وتردَّ به ما قد فات، وتنعش به الضعيف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك، اللهم سقيا هنيئة، اللهم سقيا هنيئة، تروى بها القيعان، وتسيل البطان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار، اللهم إنا نسألك أن لا تردَّنا خائبين، اللهم إنا نسألك أن لا تردَّنا خائبين، اللهم إنا نسألك أن لا تردَّنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا، وتنشر رحمتك، وأنت الولي الحميد. ألا فاعلموا ـ عباد الله ـ أنه يسنّ في مثل هذا الموطن أن تقلبوا أرديتكم اقتداءً بفعل نبيكم ، فقد حوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه [8] تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث، وادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة. وصلوا وسلموا على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، وأمددنا بأموال وبنين، واجعل لنا جنات واجعل لنا أنهاراً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


خطبة الاستسقاء بجامع عبدالله بن عمر بن العاص بحفر الباطن1432/2/13

 0  0

الأعضاء

الأعضاء:254

الأعضاء الفعالون: 11

انضم حديثًا: إسماعيل الودعاني

التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:10 صباحاً الثلاثاء 23 صفر 1441.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.