• ×
الثلاثاء 21 صفر 1443 | أمس
ليلى باسويد

بقلم

ليلى باسويد
ليلى باسويد

من ذاكرة الأيام ..

أخذت السماء تدفع غيوم الشتاء متثاقلة وعبر فرج بين السحاب أخذت تتسلل اشعة الشمس مشاكسة قطرات عالقة رافضة السقوط ,تشكلت على هيأة قوس المطر مؤذنة بتباشير فصل الربيع ,وعلى نغمات الحب وإيقاعات الربيع المنتظرة استلقت نورة على كرسي في فناء المنزل والى جوارها ليلى تثقب نظراتهما بقايا السحب تطلعا لما وراءه ,يمتد بصرهما للإحاطة بالسماء ,كانت ليلى مهوسة بألوان قوس المطر وزرقت السماء وبدرجة اقل تشاطرها نورة الاهتمام , ويقلقها كثيرا بلل الكرسي عقب المطر , يشرق منهما عبير النقاء وبراءة الطفولة، وعنفوان الشباب ، يمتلآن حياة وحيوية...يداعب وجنتيهما نسيم الهواء العليل وتحلق الطيور بأحلامهما أبعد من إشراقة شمس الربيع .
نورة : هل تذكرين يا ليلى اول عراك لنا , بضحكة غجرية حالمة ؟
ليلى: نعم ، عندما أغضبتني ودفعتك من بطن امي للخروج إلى الدنيا قبلي , ولكني لم استطع البقاء وحيدة فلحقت بك سريعًا.
أمسكت نوره بيدِ ليلى برفق وقالت : لن أفارقك أبدًا فنحن روحان في جسدٍ واحد
سنحلم سويا.. ونلعب سويا.. ونحيا سويا.. ونتخرج سويا.
ولأنهما في العام الأخير من دراسة الطب استأثر الفصل التطبيقي بجل وقتهما
كانتا صورة واحدة لجسدين.. يتشاركان كل شيء شكلًا وفكرًا وحياةً وحيوية عدا تعجل نورة الدائم وتؤوده ليلى..
وشاءت الاقدار أن يعملا معا وفي قسم واحد.
كان وجودهما كغيث حل بصحراء قاحلة، كربيع بعد شتاء قارس، كدفء شمس تلتحف به الأنفس التائهة.
تذمرت ليلى من العشوائية في العمل ونقص التجهيزات وعدم وجود خطط خاصة في حالة الطوارئ والأزمات بينما نظرت نوره للأمر من زاوية انسانية واستماتت في سبيل الاخرين.
وذات يوم وبالتحديد ليلة أربعاء. دخلت للمستشفى حالة غريبة طفلا يعاني من سعال قوي مصحوبا بدم مع ارتفاع ملحوظ في درجة الحرارة وخسران وزن, يكاد ان يكون هيكلا عظميا يكسوه طبقه رقيقه من الجلد. كان برفقته والدته التي بدا عليها بعضا" من تلك الأعراض.
لم تكن الحالة واضحة احتار الأطباء قدموا كل الأدوية التي بتشخيصهم المبدئي انها ستكون سببا" في الشفاء وفشلت محاولاتهم.
مات الطفل وسقطت الأم طريحة الفراش لتظهر عليها نفس العلامات ثم ما لبثت أن فارقت الحياة، ومع مرور الأيام ضجت المدينة بنفس الحالة وامتلأت المستشفى واستنفر كل طبيب و ممرض، لم يتوانى احد في تقديم يد العون وازدحم المكان بالمرضى، وفي قلب الحدث كانت نوره تتنقل بين المرضى دون تفكير كان يأسر قلبها طفل مريض ومسن عاجز تكالبت عليه الحياة ليهزمه مرض مجهول.
اما ليلى لم تكن لتقف دون أن تبحث او تفتش علها تجد حلا يحدث فرقا.
ومرت الأوقات سريعا لتقضي ليلى ما تبقى لها من سويعات راحه بين أرفف المكتبات..
وذات يوم وقعت عيناها على مخطوطة قديمة تعلن فيها وزارة الصحة عن تفشي مرض عام ١٨٨٢ م والذي كان سببه عدوى جرثوميه تهاجم الجهاز المناعي,لقد كانت اوقات صعبه يتخللها حزن على من يفارق الحياة وأمل للبقية بالشفاء.
تركت ليلى كل ماكان بيديها من أوراق ركضت سريعا.. دخلت المستشفى تبحث عن نوره وأخذت تنتقل من قسم لآخر ومن غرفة لأخرى إلى أن وقعت عيناها عليها.. ركضت مسرعة احتضنت نوره بقوة..
كانت نوره مندهشة ليلى ما بك ما لذي حدث..؟
ارجوك يا نوره ان تتنبهي قليلا" لا تختلطي بالمرضى كوني حذره واخبرتها بالذي قرأته وأخذت تربط ليلى بين ما عرفته وبين ما يحدث.. تعاتب نوره تارة وتحذرها تارة أخرى.. نظرت إليها نوره بابتسامه ثم حضنتها وهمست في اذنيها.. هوني على نفسك يا اختاه لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا.. فاطمئني ثم مضت لتعود لذلك المسن الذي كانت ترى فيه صورة والدها الراحل.
ومرت الأيام سريعة بين خوف ورهبة وامل والم لتستيقظ ليلى ذات صباح وتذهب كالمعتاد لغرفة نوره..
طرقت عليها الباب.. لم تجب انتابها القلق.. طرقت مرة أخرى لم تجب أيضا.. فتحت الباب فإذا بنوره مازالت في الفراش وكان ذلك خلاف المعتاد.. اقتربت منها ازاحت الستائر فتحت النافذة..
نوره.. لماذا لم تستيقظي إلى الآن
فاذا بها لم تجب أيضا، لم تتمالك ليلى نفسها ازاحت الغطاء فإذا بنوره تتصبب عرقا" وعلى وسادتها قطرات من الدم..
كاد قلب ليلى ان يتوقف ففي قرارة نفسها كانت تعلم انها إحدى الأعراض.
نوره بماذا تشعرين ومنذ متى.. لم تتحدث كثيرا اخذتها إلى المستشفى ليعاينها الطبيب وعندها انكشف غطاء الحقيقة.. لقد أصيبت نوره بالعدوى.
تحولت حياة ليلى من وتبدلت احوالها ولكنها الحياة تمضي بحلوها ومرها ...
لم تكن ليلى لتتركها وهي شطرا منها.. لقد قضت الليالي وهي ترافقها وتعتني بها.. إلى ان حانت لحظة الوداع لتغادر نوره الحياة جسدا" وتغادر ليلى الحياة معها روحا..
ومرت الايام بطيئة.. كئيبة.. واكملت الفصل التطبيقي وحانت لحظات التخرج
كانت عينيها تذرف بالدموع لم تكن للتتخيل أبدا "أن تكون في لحظتها دون توأمها
ومر شريط ذاكرتها ليعود للوراء حين أمسكت نوره برفق يديها قائلة...
ــ لن أفارقك أبدًا فنحن روحان في جسدٍ واحد، سنحلم سويا ونلعب سويا ونحيا سويا ونتخرج سويا ـ
لتذرف ليلى الدموع وتهمس مردده بل فارقتني.
رشحت ليلى من قبل رئيسة القسم ان تلقي كلمة نظرا" لتفوقها.. لم تكن ليلى تعلم ماذا ستقول.. لكنها سارت بخطوات متقاربه.. بهدوء غير معتاد.. صعدت لتعتلي منصة المسرح.. وعيناها تفيض بالدمع، اخذ الجميع يصفق بشده ثم عم قاعة التخرج هدوء.. لينتظر الجميع كلماتها..
نظرت للجميع نظرة خاطفه، استجمعت قواها، تنفست ببط ثم قالت:
نختار نحن الطريق الذي نسير عليه ونحن نعلم العواقب ونتظاهر بالقوة حتى على أنفسنا لنقنع أنفسنا اننا نستطيع تحمل تبعات تلك القرارات..
ونمضي في الحياة متجاهلين أصوات كل من حولنا وصرخات النصح والخوف علينا من النهايات المؤلمة...
ثم نسطر خلاصة تلك التجربة الما ملموس يقرأ بين السطور.. وتدور الدائرة لنصرخ نحن في اخرين صرخات نصح لم نقدرها من قبل أن توقف يا هذا... ستندم حين لن ينفعك ندم.. مشهد يتكرر فهل من معتبر...
أقف الان بنصف روح.. ولا يسعني قول شي فأقدار الله نافذه. انتهت رحلة الأخذ وبدأت رحلة العطاء..
عم هدوء ولم يتبقى سوى صدى خطواتها وهي تغادر قاعة الاحتفال...
بواسطة : ليلى باسويد
 0  0 389

الأعضاء

الأعضاء:256

الأعضاء الفعالون: 4

انضم حديثًا: سمية الجابري

التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:06 مساءً الثلاثاء 21 صفر 1443.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.