• ×
الأربعاء 25 جمادى الثاني 1441 | اليوم
محمد سلمان العبدلي

بقلم

محمد سلمان العبدلي
محمد سلمان العبدلي

حين يكون “التخلي عن النجاح ضرورة"...!

قد يكون عنوان هذا الموضوع مستفزاً وغير معقول، كيف يمكن أن نتخلص من النجاح الذي نسعى له دائماً، هل من الممكن أن يصبح النجاح عبئاً! في عالم الإدارة و ريادة الأعمال يُينظر للنجاح من زاوية مختلفة، وسأعرض في هذا المقال تفسيراً ومحاولة فهم "متى يمكن أن يكون التخلي عن النجاح ضرورة" مع ذكر واحدة من أهم القصص التي ترد دائما في ثنايا الحديث عن هذه القاعدة المثيرة للجدل.

لنبدأ في قصة "موديل تي" إحدى موديلات شركة هنري فورد التي اعتبرت في عام 1999 سيارة القرن العشرين والأكثر قوة وتأثيراً, فبين عامي 1908 و 1927 تم تصميم ما يزيد على 15 مليون سيارة في هذه الفترة فقط, وكانت السيارة المفضلة لغالبية الشعب الأمريكي, سبب الشعبية الطاغية لهذه السيارة هو تكلفتها المعقولة وقدرة أبناء الطبقة المتوسطة في اقتنائها و هو مالم يكن ممكناً من قبل, استطاع هنري فورد مؤسس الشركة أن يبتكر طريقة حديثة تقوم على إنتاج السيارات باستخدام "خطوط التجميع" بدلاً من الممارسة القديمة التي كانت تقوم على صناعة كل سيارة مرة واحدة, وباستخدام هذه الطريقة الحديثة تمكن هنري فورد من خفض تكلفة التصنيع وزيادة الإنتاج وكانت "موديل تي" ثمار هذا الابتكار الجديد.

اعتبرت سيارة "موديل تي" واحدة من أعظم إنجازات شركة فورد وحققت مبيعات خيالية استطاعت من خلالها فورد أن تسيطر على سوق السيارات لفترة تزيد عن 19 عاماً، تسبب هذا النجاح المذهل الذي جعل شركة فورد عملاق صناعة السيارات الأمريكية إلى الإيمان بقناعة راسخة أنها السيارة "اللائقة بالفعل التي تناسب الجميع" وأنها ستبقى عصية عن أي منافسة ممكنة، ولذلك وحفظاً على هذا النجاح المذهل أبقت شركة فورد "موديل تي" دون أي تغيير على تصميمها أو حتى لونها الذي بقي باللون الأسود طوال ال 19 عاماً.

في عام 1908 بزغ نجم جديد في عالم صناعة السيارات وهي شركة جنرال موتورز، وفي أواخر الخمسينات ومع بدايات الستينات استطاعت جنرال موتورز أن تنتزع القيادة من شركة فورد لتصبح الشركة الأكثر مبيعاً في أمريكا، فكيف استطاعت تحقيق ذلك؟

بسبب النجاح الذي حققته سيارة "موديل تي" حافظت شركة فورد على فكرة الإبقاء على تصميمها دون إدخال أي تغيير عليها باعتبارها السيارة اللائقة بالفعل والمناسبة للجميع, قامت شركة جنرال موتورز باستغلال تلك الرغبة لدى فورد المتمثلة بالحرص على البقاء ومقاومة التغيير و استثمرت حالة "الإشباع الفني" الذي أحدثته النماذج المتشابهة والمتلاحقة لـ "موديل تي", وقامت على إثر ذلك بمغازلة السوق الأمريكي من خلال انتاج سيارات بتصاميم مختلفة و بألوان متعددة تناسب جميع الأذواق, مقارنة بالتصميم واللون الواحد الذي بقيت عليه "موديل تي", و رغم الإشارات التي أحدثها هذا التغيير الجديد بقي هنري فورد مصمماً و متمسكاً بالنجاح الذي حققه في سيارته "موديل تي" دون تغيير, ويروى عنه مقولته الشهيرة : "بإمكان أي شخص أن يقتني أي لون يريده طالما كان أسود" متحدياً بذلك منافسه.

بدأت السيارات الملونة ذات التصاميم المختلفة تجتاح السوق الأمريكي لتنتزع بذلك جنرال موتورز القيادة من شركة فورد لمدة 40 عاماً، فقد كان إصرار شركة فورد على التمسك بنجاحها خطأ استراتيجي وكارثة مؤلمة أفقدها فرصة البقاء على القمة.

هذه قصة رائعة يمكن إسقاطها في مجال الإدارة وريادة الأعمال، ويمكن استلهام العديد من الحكم والدروس، واحد من هذه الدروس هو أن مجال المنافسة والصعود في مجال الأعمال التجارية ممكن حتى في ظل وجود شركات عملاقة مسيطرة، فقد تكون قلة الخيارات والبدائل هو المغذي الحقيقي لنجاح الكثير من المنتجات والخدمات المسيطرة في السوق، وقد تسبب تلك المنتجات "الناجحة" حالة من الإشباع لدى العملاء وبالتالي يتولد عن هذا الإشباع حاجات وفرص جديدة يمكن لرواد الأعمال أن يقنصوها وجعلها نواة لمشاريع قد تكون أكثر نجاحاً وإلهاماً.

ودرسٌ آخر للمدراء والقادة: إن للشعور بالنجاح تأثير يشبه تأثير المخدرات الذي يعطل العقل عن الإحساس بكل ما يدور حولك، إذا حققت نجاحاً مذهلاً فمن الحكمة حينها أن تخطط جيداً في أن تسلم دفة قيادته لغيرك من أفراد فريقك، وانتقل إلى مكان آخر أو مشروع أو مجال آخر لتمارس فيه قصة نجاح أخرى.. لا يخدعك شعور النجاح في البقاء مكانك.. فربما تخسره وتخسر معه كل انجازاتك.




كاتب ومستشار في ريادة الأعمال
بواسطة : محمد سلمان العبدلي
 1  0

الأعضاء

الأعضاء:254

الأعضاء الفعالون: 11

انضم حديثًا: إسماعيل الودعاني

التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    ابو فيصل 27-05-1441 02:42 مساءً
    مقال جميل جدا

    ولكن اتحفظ على الدرس الاخير منه

    فلو كان المدير متجدد ويواكب التطور ويشبع حاجات المستفيدين من الخدمات
    لا يسلم القيادة.... بل يستمر... ويصنع خط اخر من القادة*

    وجهة نظر.... وشكرا للاستاذ/ سلمان . ولصحيفة العارضة
       الرد على زائر
    • 1 - 1
      محمد العبدلي٥ 28-05-1441 02:05 مساءً
      .... ويصنع خط آخر من القادة*

      أحسنت.. هذه هي نقطة التماس بين فكرة المقال وبين ملاحظتك.. شكرا لمرورك*
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:36 مساءً الأربعاء 25 جمادى الثاني 1441.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.