• ×
الجمعة 8 ربيع الأول 1440 | اليوم
محمد سلمان العبدلي

بقلم

محمد سلمان العبدلي
محمد سلمان العبدلي

حين سألني زميلي .. لماذا "السعودة" ؟

تدور هذه الأيام تحديدًا نقاشات عديدة مع الزملاء حول برامج التوطين، تتجه هذه النقاشات أحيانًا إلى مسارات بعيدة عن الطرح العلمي، والبعض سواء كان من الإخوة السعوديين وحتى المقيمين يحاول الزجّ بأسباب هذه التوجه الوطني على أنه تعبير عن موقف سياسي تُجاه دول معيّنة، والبعض الآخر يرى في هذه القضية قطع لأرزاق الناس وجحدان لفضلهم في البناء والتنمية، وتشويه للصورة الجميلة للسعودية، وخدش لسمعتها بإعتبارها قبلة ومهوى أفئدة المسلمين ..

لكنّ الأمر ليس كذلك ...

في أمريكا، قبلة المهاجرين الأولى ودولة حقوق الإنسان – كما يسميها الكثيرون - يتسابق الناخبون فيها لرفع شعار " أمريكا أولا "، ودائمًا ما تكون قضية خفض البطالة وفتح فرص جديدة للمواطنين الأمريكان وتقنين وتشريع الهجرة والعمل هي القضايا الأولى التي تتصدر أجندة السياسيين.

في بريطانيا أيضًا، قلب أوروبا، وأحد أعمدتها الرئيسية ومركزها المالي، وخامس إقتصاد عالمي، والمستفيد الأكثر من الإستثمارات الأوروبية التي جاءت بفضل عضويتها في الإتحاد الأوروبي، دفع الشعور القومي المتزايد إلى درجة مطالبة الحكومة للخروج من الإتحاد الأوروبي برغم إدراكهم للثمن الكبير الذي سيدفعونه بسبب خروجهم، قرر الشعب البريطاني قراره هذا بعدما شعر أن طوفان العمالة الأوروبية التي يفضلها أصحاب الشركات ورواد الأعمال بسبب رخص تكاليفها قد إكتسحت سوق العمل البريطاني واصبح وجود هذه العمالة يشكل تهديدًا ليس فقط لسوق العمل البريطاني بل تهديدًا مباشرًا للهوية والخصوصية الثقافية البريطانية !

ما يحدث في السعودية ليس نشازًا عما يحدث في العالم الخارجي، بل إن التغييرات الإقتصادية والتوجه العالمي نحو الطاقة البديلة والسعي الدؤوب للإستفادة القصوى من مصادر الطاقة الطبيعية ومحاولة الإستغناء عن البترول وما يحمل هذه التوجه العالمي من صراع سياسي خفي من أدوات الصراع الحديثة التي يستخدمها العالم الغربي لإبتزاز الدول المصدرة للنفط التي تقع أكثرها في حاضنة العالم الإسلامي كل هذا يدفع الحكومة السعودية ومعها شعبها إلى الشعور بالخطر المحدق والتهديد المباشر لكيانها ووجودها بسبب اعتمادها المفرط على مداخيل النفط..

دفع هذا الشعور بالحكومة السعودية إلى محاولة خلق مصادر دخل غير نفطية عن طريق تنمية الصناعات والإستثمارات المحلية وفتح أسواق جديدة لهذه الصناعات التي تتطلب شراكة إستراتيجية عالمية مع السوق العالمي لإمتصاص المنتج السعودي، هذا يعني بالضرورة فتح السوق السعودي أمام الإستثمارات الأجنبية كنوع من الشراكة المتبادلة و وفقًا لما تتطلبه مبادئ التجارة العالمية، وهذا أيضا لن يتحقق ما لم تثبت الحكومة السعودية جاذبية سوقها وقدرته على إستقطاب رأس المال الأجنبي.

بماذا يفكر المستثمر الأجنبي وكيف يمكن جذبه للإستثمار المحلي ؟

أحد أهم المعايير الذي يلعب دورًا مهمًا في جذب المسثمر الأجنبي هو درجة الإستقرار الأمني و مستوى السلم الإجتماعي، و يعد مؤشر البطالة في أي دولة من دول العالم أحد أصدق المؤشرات التي ترتبط بعلاقة عكسية مع مستوى الإستقرار الإجتماعي، فكلما إنخفضت البطالة زاد مستوى الإستقرار الأمني والإجتماعي، والعكس صحيح فكلما زادت نسبة البطالة إزدادت معها نسبة الجريمة، وحين تتفشى البطالة يصبح السلم الإجتماعي هشًا رقيقا يمكن إختراقه من قبل قوى أو جماعات معادية تستطيع حينها تغذية شعور الأفراد بالمظلومية وضياع العدالة ومن ثمّ الدفع بهم نحو التمرد والتظاهر والخروج على السلطة - وهذا ما حدث في العديد من دول الجوار ولنا فيما حدث عظة وعبرة - وحينها تصبح المكتسبات الوطنية مهددة، وتنهار الدولة ويُفقد القانون وتضيع أموال الناس وحقوقهم.

المعيار الآخر الذي يعتمد عليه المستثمر الأجنبي هو " مستوى القوة الشرائية" ويعبر عنها بشكل دقيق بمستوى دخل الفرد من الناتج المحلي، ولذلك دائمًا تحرص الدول التي تسعى نحو التقدم والإزدهار على جعل زيادة دخل الفرد أحد اهم إهتماماتها وأهدافها التي تسعى لتحقيقه رغبة في إستقطاب مزيدا من الإستثمارات العالمية، والسعودية بتوجهها نحو توطين القطاع الخاص هو خيار استراتيجي لابد منه، إذْ لا يمكن للقطاع الحكومي وحده استيعاب كل الباحثين عن العمل من الشباب، وليس في وسع القطاع الحكومي أيضًا منح مرتبات عالية تلبي طموحات الشباب وآمالهم، وحده القطاع الخاص القائم على الربحية والإنتاجية يستطيع حل هذه المشكلة، ولذلك فإنّ التوجه الحكومي نحو الدفع بالشباب السعودي إلى القطاع الخاص هو خطوة مهمة من أجل إستقطاب تلك الإستثمارات التي يعوّل عليها كثيراً أن تكون المنقذ من حالة الإعتماد المفرط على البترول كمصدر وحيد لا يمكن التنبؤ باستمرار جدواه.

أيضًا ينظر المستثمر الأجنبي إلى أنظمة البلد وتشريعاته ومستوى إدارته، إذْ لا يمكن أن يكون السوق جاذبًا في ظلّ تغول الفساد الإداري وإنتشار المحسوبيات والرشاوى، كما لا يمكن للإستثمارات النوعية الكبيرة القادرة على نقل التقنية الحديثة بتكلفتها العالية أن تدخل في سوق تستحوذ عليه العمالة الرخيصة والخدمات الرديئة، لذلك فإن التشريعات الجديدة التي دخلت سوق العمل حديثًا تهدف بشكل جاد ومباشر إلى إعادة ترتيب وتنظيم وتنظيف سوق العمل من جديد والدفع بتلك الشركات والمؤسسات التي تقدم خدمة رديئة بأسعار رخيصة إمّا لتحسّن مستواها بما يتوافق مع أنظمة السوق الجديدة أو أن تخرج لكي تفسح المجال لغيرها ممن تملك القدرة والإرادة، وبتحقيق ذلك يكون باستطاعتنا جذب جيل جديد من رواد الأعمال والشركات العملاقة والخدمات النوعية المتميزة القادرة على تلبية متطلبات النهضة الحديثة التي تليق بإنسان هذا العصر.
بواسطة : محمد سلمان العبدلي
 1  0

الأعضاء

الأعضاء:249

الأعضاء الفعالون: 19

انضم حديثًا: علي محمد الحريصي

التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    احمد حكمي 27-10-1439 07:01 صباحاً
    كلام رائع*
    وفقك الله وسددك
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:18 مساءً الجمعة 8 ربيع الأول 1440.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.