• ×
الجمعة 8 ربيع الأول 1440 | اليوم
محمد سلمان العبدلي

بقلم

محمد سلمان العبدلي
محمد سلمان العبدلي

السعودية والمرض الهولندي .. والدور المستقبلي لتطبيقات الجودة

المرض الهولندي توصيفٌ اقتصادي لحالة الكسل والتراخي الوظيفي التي تُصيب الشعوب تلك التي تعتمد في مداخيلها على وفرة مواردها الطبيعية كالنفط والغاز والمعادن، وتنخفض فيها أنشطة الصناعات التحويلية.

فبحسب موقع ويكيبيديا فإنّ أول من تبنّى هذا المصطلح هي مجلة الإيكونومست البريطانية عام ١٩٧٧م في تقريرها الذي نشرته عن الإقتصاد الهولندي بعد اكتشاف حقل كبير من الغاز الطبيعي عام ١٩٥٩م وما صحب ذلك من تغيرات اقتصادية واجتماعية جاءت بسبب تدنّي مستوى التصنيع والإنتاج في النشاطات الأخرى غير النفطية مع نقصٍ مضطردٍ في عدد فرص العمل وزيادة في مستوى البطالة التي تُعدّ المهدد الأول لاستقرار المجتمعات.

فبعد أن اكتشف الهولنديون آبار النفط والغاز تدفقت مداخيل مالية عالية نتجت من تصدير تلك الموارد الطبيعية وأصبح معها مستوى السيولة المالية في أعلى مستوياتها وبالتالي أحدثت هذه السيولة تضخمًا في السوق الهولندي وارتفعت أسعار السلع المصنّعة محليًا كنتيجة طبيعية وباتت عاجزة عن المنافسة في السوق الخارجي وبسبب ذلك اضطر المستثمرون الهولنديون إلى تغيير نشاطاتهم الإقتصادية فبدلًا من التصنيع المحلي أصبح استيراد السلع المصنّعة خارج هولندا جاذبًا ومناسبًا وسهلًا للمستهلك وأيضًا للمستثمر الهولندي، أفضى هذا التحول في شكل الاقتصاد الهولندي إلى اضمحلال النشاط الانتاجي الصناعي الذي يعتبر المخزن الحقيقي لفرص العمل وتحولت هولندا من التصنيع إلى مرحلة (اللا تصنيع).

ما حدث في هولندا مشابه تمامًا لما حدث ويحدث في السعودية، إذ سبب الإعتماد المفرط على النفط تشوّهات اقتصادية وحالة من الوهن والإتكالية في أوساط المجتمع السعودي بوصفه مجتمعًا استهلاكيًا، ولذلك جاءت رؤية ٢٠٣٠ لمعالجة هذا المرض ووضع حدٍ له قبل أن يصبح الاقتصاد السعودي في مرحلة يصعب علاجه وتقويمه، إنّ برنامج الرؤية الوطنية هو عهد سعوديٌ جديد جاء ليطوي مرحلة الإدمان النفطي وآثاره وتبعاته.

أول خطوات العلاج هو تشجيع الصناعة وزيادة معدلات التصدير والاستفادة من الموقع الجغرافي لجعل السعودية منصّة لوجستية عالمية تمدّ العالم بمنتجاتها، ومن يلاحظ النشاط السياسي السعودي يدرك جيدًا حالة الإصرار على هذا التحول النوعي من خلال محاولات القضاء أولًا على بؤر الصراع ومسبباته في المنطقة بالتحالفات الاستراتيجية مع الدول المجاورة و الشركاء والحلفاء، وهناك حالة من التفاؤل في الوسط العربي أن يكون برنامج الرؤية السعودية نواة لمشروع تكتل اقتصادي استثماري يستفيد من كل المزايا الجغرافية والطبيعية المهدرة في بلدان الوطن العربي و تحويلها إلى مشاريع اقتصادية تدرّ الخير على شعوبها (مشروع نيوم أنموذجًا) .

التحدي الآخر لتحقيق هذا التحول هو جعل المنتج السعودي منتجًا منافسًا وجاذبًا وذو تكلفة مناسبة مقارنةً بالسلع العالمية الأخرى في السوق العالمي .. وهنا يأتي دور الممارسات القائمة على جودة التصنيع والنقل والتوزيع، ولذلك جاء في برنامج الرؤية ما نصّه :

(إن الرؤية المستقبلية للجودة تهدف إلى أن تكون المملكة بمنتجاتها وخدماتها معيارًا عالميًا للجودة والإتقان وأنه* لا سبيل للمملكة في المنافسة والمشاركة الفاعلة عالميًا إلّا عندما تكون الجودة هي المعيار الأساسي في كل ما تقدمه للعالم ).

ولكي تتحقق هذه الرؤية لابدّ من تحويل الجودة من مجرد نظريات وعمل استعراضي إلى حاجة ملحّة واستراتيجيات تُطبَّق وتمارس طبقًا لأفضل الممارسات العالمية الحديثة، وأن تكون استراتيجيات الجودة في كل منشأة جزءًا لا يتجزء من خطة الإدارة التنفيذية العليا، وأن ينعكس هذا الإهتمام على السلوك الوظيفي من أعلى الهرم الإداري إلى أسفله.

في السعودية .. تعتبر الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة المظلّة الحكومية ذات العلاقة بكل ما يتعلق بممارسات وتطبيقات الجودة وقد ذكرت في موقعها الرسمي جزءًا يتعلق بالخطط والإجراءات لتحقيق متطلبات الجودة في برنامج الرؤية الوطنية، جاء فيه :

(... ولابد من استكمال البنية التحتية للجودة وإيجاد منهجية موحدة لها والعمل على الدراسات والتطوير والأبحاث الخاصة بالجودة والسعي إلى الارتقاء بالخدمات العامة ودراسة تعديل بعض الأنظمة واللوائح للجودة ووضع ضوابط ومعايير للجهات في مجال منح شهادات الجودة والبدء في تطبيقها في مجالات التعليم والصحة والخدمات العامة واستحداث جوائز للتميز في كل قطاع).

إننا اليوم على أعتاب نهضة نوعية شامله أسُّها وأساسُها معايير الجودة .. وفرسانها أخصائيو الجودة في كل المجالات.
بواسطة : محمد سلمان العبدلي
 0  0

الأعضاء

الأعضاء:249

الأعضاء الفعالون: 19

انضم حديثًا: علي محمد الحريصي

التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:42 مساءً الجمعة 8 ربيع الأول 1440.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.