• ×
الخميس 6 ذو القعدة 1439 | اليوم
محمد سلمان العبدلي

تأملات فكرية

هل من الممكن أن يتولّى مهنة التسويق والبيع قاضٍ قدير ؟ أو يتولّى القضاء بائع ومسوّق محترف؟ ربما .. لكن سيكون هذا غير معقول وخارج عما هو معروف، فلكل مهنة أخلاقها وأعرافها، فالأول ( القضاء ) يمثل المثالية الأخلاقية والآخر ( التسويق والبيع ) يمثل الواقعية الإنتهازية.. والأمر برمته ينطبق أيضًا على ممارسة الدعوة والسياسة.

يتضمن العمل الدعوي الدعوة إلى تطبيق وممارسة قيمٍ وأخلاق مثالية بينما تتعامل السياسة مع واقع يمثّله طيف واسع من الأفراد والمجتمعات الذين لا يمكن أن تتساوى أخلاقهم ومبادئهم وقيمهم ومصالحهم على مسطرة واحدة، ولذلك يضطرّ السياسي مرغمًا أن يحافظ على علاقة متزنة بين ما هو واقعي وبين ما هو مثالي وهذا بالضرورة يحتاج إلى ممارسة أدوات كثيرة تتفاوت بين القوة واللين والغموض والحقيقة، والعدالة والمجاملة، هذه الأدوات والممارسات لا تتوافر ولا تتناسب مع الدعوي الذي يجد نفسه مضطرًا كداعية أن ينظر خلال معالجته للقضايا التي تواجهه من زواية أخلاقية واحدة ويقيسها بمقياس العدالة المثالية، و هذا غير ممكن.

لا يمكن للدعوي أن يمارس السياسة إلّا في ظلّ مجتمع مثالي متَّسق يُؤْمِن جميع أفراده تمامًا بكل القيم التي يُدعى إليها مع رغبة و استعداد كامل للتنازل عن المنافع الشخصية والمصالح الضيّقة والتضحية بها لأجل الحفاظ على تلك المبادئ والقيم وممارستها.

سأل رجل عليًا - رضي الله عنه - : ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر فقال : " لأَنِّ أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي وأنا اليوم والٍ على مثلك".

أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ١٣ سنة يدعو إلى قيم ومبادئ الإسلام وبعد أن توافر لديه عدد كاف من الأتباع الذين آمنوا بقضيته واستعدوا للتضحية من أجلها أسس حينها دولة الإسلام الأولى.. وهي الفترة الوحيدة في زمن الإسلام التي نجح فيها "داعية" متمثلة في شخص رسول الله ومجتمع مثالي مثّله الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.

يواجه الداعية المصلح بمرور الزمن معضلة كثرة الأتباع حيث تصبح السياسة أمرًا ضروريا لمواجهة التعقيدات التي تفرضها القيادة، وهنا يجد الداعية نفسه مضطرًا أن يلبس قميص السياسة الذي يختلف تمامًا عن جلباب الدعوة.

يقول أدولف هتلر في كتابه كفاحي،
" .. من يحسب نفسه قادرًا على تحقيق الإصلاح الديني عن طريق حزب أو منظمة سياسية فهو إمّا مهووس أو جاهل .."

ومن ينظر إلى التاريخ الحديث يجد أنّ معظم الحركات الإصلاحية التي قادها وتصدرها شخصيات ذات نزعة دينية صرفة فشلت ولم تتحقق لها ما أرادت بينما نجحت حركة اصلاحية واحدة هي حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية وسرّ نجاحها هو الإنسجام والتوافق بين دور الدعوي الإصلاحي وبين الحاكم السياسي، ولذلك بقيت هذه الدعوة حيّة مستمرة لما يزيد على قرنين من الزمان رغم كل الظروف التي مرت بها والمحاولات الخارجية لإيقافها.

إنّ العلاقة البناءة بين دور الدعوي ودور السياسي مهم جدًا إذ تُعتبر هذه العلاقة صمّام الأمان في إستقرار الشعوب، ولقد أثبتت الأحداث الأخيرة في عالمنا الإسلامي أن أي خلل في تكوين هذه الأدوار و أي تشويش يحصل في تلك العلاقة تكون نتيجته كارثية مرعبة.

اللهم أدم علينا فضلك، واحفظ علمائنا و ولاة أمرنا في هذه البلاد الرشيدة، وجنّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن ..
 0  0  364

الأعضاء

الأعضاء:247

الأعضاء الفعالون: 23

انضم حديثًا: المحامي/ أحمد بن محمد الحريصي

التعليقات ( 0 )
أكثر

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.