• ×
الجمعة 6 ذو الحجة 1439 | أمس
أحمد بن علي العبدلي

بقلم

أحمد بن علي العبدلي
أحمد بن علي العبدلي

علموهم ولا تئدوهم

كثير ما تعددت أساليب الإجرام، ووسائل مصادرة الحقوق، في ظل غفلة المصلحين، مع الجهل بما لا يسع العاقل جهله، نعم سأسرد في مقالي هذا تفاصيل الجريمة، وأدواتها موضحاً شناعة ما ارتكبه الجاني في حق المجني عليه.
أخي أختي أيها السيدات والسادة : دعوني أعود بكم قليلا إلى مالا يجهله إنسان ولا يخفى على عاقل، ولعلنا قرأنا في آيات الكتاب العزيز قول الله تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، فجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة... الآية)
تأملوا معي قليلا كيف وصف الله المولود حال ولادته نافيا عنه العلم بما يصنع وما يُصنع به، فالطفل في مهده يعتمد على أمه أو مربيته في كل شيء ولا يعلم حقيقة الكون من حوله فهو لا يتكلم ولا يعقل عدا ماهداه الله إليه من معرفة كيف يحرك بعض أعضائه وكيف يلتقم ثدي أمه ونحو ذلك، وهذه هي الهداية التي أشار الله إليها في صدر سورة الأعلى عند قوله ( الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى) فهذا الطفل الذي بين أيدينا مر بأربعة مراحل رئيسية وهي الخلق والتسوية على الهيئة التي تناسب بشريته ثم قدر رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد وفي المرحلة الرابعة هداه كيف يستخدم مالديه من ملكات وحركات وسكنات وضحك وبكاء ونحو ذلك مما لا يختلف باختلاف اللغة أو العرق أو الموطن .
ولكن هذا الطفل بحاجة لأن يتعلم كيف يتكلم كيف يمارس حياته المستقبلية، كيف يتعايش مع الآخر، بحاجة لأن يتعلم الصح والخطأ، والقيم والمبادئ التي تجعله إنسانا سويا مكتمل النمو، عقليا وجسدياً وأخلاقياً.
ومن هذا المنطلق أعود بكم للآية السابق ذكرها والتي تدل على عظيم نعمة الله علينا بأنه عندما أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، أوجد لنا مصادر التلقي والمعرفة وهي ما نصت عليها الآية الكريمة من (سمع وبصر وأفئدة).
أخي القارئ أختي القارئة لعلك إلى هذه اللحظة لم تجد لعنوان المقال موقعاً من محتوى ما سبق قوله، ولكني سآخذكم الآن إلى الجريمة وأدواتها والجاني والمجني عليه.
أيها السيدات والسادة أما الجريمة: فهي متجسدة في عدم إعطاء الطفل حقه وتمكينه من مصادر التلقي التي وهبه الله إياها.
وأما أدواتها : فلا أعلم أداة أشغلت الأسرة وخصوصا الأم عن التلقين السليم لإبنها بالقدر المطلوب والطريقة السليمة كوسائل التواصل الإجتماعي وانشغال الأسرة عن أطفالهم بالساعات دون شفقة أو رحمه.
ولعلكم عرفتم الجاني والمجني عليه، وأما فيما يخص توصيف الجريمة فإليكم المؤلم من القول والواقع المحزن والمستقبل المخيف الذي ينتظر أبناءنا.
أحبتي على مر العقود والدهور والذي تشهد له الفطر السوية في حياة البشرية وواقع الإنسانية، أن الطفل محبوب مرغوب، ابتسامته تشرح الصدور وضحكاته تفتح بابا من البهجة والحبور، بعيدا عن لونه وديانته وعرقه وعراقته، والطفل يتعلم من كل شيء حوله، فهو يحفظ الكلمات ويتعلم اللغات واللهجات والقيم والمباديء ممن حوله، ولكن دعني أصف لك الجريمة.
الجريمة أخي القارئ عندما ترى الطفل المتعلق بثدي أمه يرضع وعينه محدقة في نظر أمه وتقاسيم وجهها والأم قد أشاحت وجهها عنه منغمسة في شاشة جوالها تعيش واقع آخر بل وتجلس وسط مجلس لا علاقة له بمجلسها الذي هي فيه.
يا الله... ويا للغبن والحزن.. نعم والله لقد ظنت هذه الأم المسكينة أنها بمجرد أن ألقمت جنينها ثديها انتهت المهمة وقضي الأمر، وما علمت المسكينة أن إعراضها بنظراتها وعدم انكبابها على جنينها بمشاعرها وقسمات وجهها، تضحك لضحكته، وتستبشر لاستبشاره وهو يعيش ألذ لحظات الحنان ملتصقا بصدر أمه، لا تقل جريمة عن حرمانه حقه في الرضاعة، وقد جهلت أن الطفل في تلك اللحظات الماتعة يتلقى من مشاعر والدته ما تعجز عن تلبيته كل الحاضنات الصناعية أو المرضعات المستأجرة.
هذا إذا لم تكله إلى قطعة بلاستيكية يرضع منها منكبا عليها ليعيش أقسى معاني الحرمان لأبسط حقوقه في مهده.

إخوتي دعونا نتقدم في عمر الطفل قليلا لنعلم حقيقة واقع أطفالنا المؤلم في ظل جريمة الانشغال عنهم بوسائل التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى.
بكل واقعية وتجرد تخيل معي طفل ابن ثلاث سنين لازال يحاول تركيب الكلمات ورصف الجمل ليعبر عما يريد، يحب اللعب والحركة والضحك وتجربة ماهو جديد، يفرح بكل مهارة جديدة يتقنها كفتح الباب أو الصعود على الأسرة أو القفز أو تشغيل التلفاز أو إطفاء الإضاءة، كل ذلك ممتع له بل ومصدر خصب لسعادته.
لك أن تتخيل هذا الطفل بتلك الأوصاف في مجلس به أمه وأبيه وإخوته والكل عاكف على جواله يتصفح محركات البحث أو يغرد في وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، منهمك شارد الذهن يعيش في واقع بعيد عن واقع هذا الطفل.
هل تخيلت معي الطفل وهو كلما اقترب من أحدهم نهره وكأنما اقترب من قنبلة نووية؟ أو جمرة حارقة؟ كلما مد يده إلى شي نهروه وبصوت صاخب ( إجلس أيها الشقي) وقد ينادى بالخيزرانة أو يتلقى الطفل صفعة مؤلمة، تجعله ينطوي حول ذاته وينزوي قابعا في زاوية المجلس يرضع إصبعه أو يغطي بذراعه على وجهه تخنقه العبرة، وتذرف عيناه دموع الحرمان، ليرى أبشع جرائم القسوة والوأد لملكاته وقدراته التي تعتبر من أهم مراحل طفولته.
والمؤلم أنه يراهم جميعا من حوله أحدهم يضحك والآخر يتكلم مع الواقع الإفتراضي، فيزداد ألما وحاله يقول :
حرامٌ على بلابله الدوحُ***** حلالٌ للطير من كل جنسِ
ولك أن تتصور معي طفل يعيش في هذه البيئة المعتمة القاتمة الصاخبة من أين له بالله عليك أن يكتسب كلماته المفيدة وكيف يتكلم بطلاقة وثقة والكل من حوله صامتون ولحديثة شاجبون وناهرون، وأنى له أن يتلقى القيم النبيلة والأخلاق الكريمة والتربية الصالحة وسط هذه الأسرة المهملة والمفرطة ويحق لي أن أقول المجرمة.

ولو تقدمنا بالعمر قليل وناقشنا واقع ابن وابنة الثمان سنين أو العاشرة من العمر، ناهيك عن واقع الغرف المغلقة، والتي يعيش فيها أفراد الأسرة عزلة أسرية مفرطة، فكل واحد منهم في غرفة مشغول بجواله، وهذا ليس لساعة أو ساعتين بل يصل دون مبالغة إلى العشر ساعات في اليوم الواحد.
أخي القارئ قد يكون أنا أو أنت ذلك المجرم في حق أطفاله، والوائد لإبداعاتهم، والقاتل لملكاتهم، والمضيع لأبسط حقوقهم، لذا أقول لنفسي ولك أننا لن نجني من الشوك العنب، وأننا سنجني ما زرعنا خيره وشره، ومن المؤكد أننا سنتفاجأ بجيل معزول وعقليات مغلقه وكلمات نابيه، وشلل رباعي في مهارة التفكير والثراء اللغوي والقيم والمباديء التي تعلمناها من آبائنا وأمهاتنا الذين لم يئدوا طفولتنا ولم يُبتلوا بهذه المشغلات والمعضلات، هذا ما أردت التنبيه له والتحذير منه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

بقلم : أحمد بن علي العبدلي
23 رمضان 1439هـ
بواسطة : أحمد بن علي العبدلي
 1  0

الأعضاء

الأعضاء:247

الأعضاء الفعالون: 23

انضم حديثًا: المحامي/ أحمد بن محمد الحريصي

التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    مريم حلل 25-09-1439 04:10 صباحاً
    حينما نتجرد من المسؤولية يصبح واقعنا هكذا .
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:13 صباحاً الجمعة 6 ذو الحجة 1439.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.