• ×
الجمعة 6 ذو الحجة 1439 | أمس
محمد سلمان العبدلي

بقلم

محمد سلمان العبدلي
محمد سلمان العبدلي

حوار مع معلّمة اللغة

الإنسان إذا أجاد لغته الأم أمكنه أن يتعلّم ويتقن لغات أخرى وربما تفوّق فيها على أهلها.

كانت هذه وصية المعلمة " براون" المتخصصة في تعليم الإنجليزية لغير الناطقين بها والتي أشرفت على تعليم أبنائي خلال البرنامج المكثف في المدرسة الحكومية الأسترالية "أيرون سايد" في مدينة برزبن.

ففي زيارة للمدرسة سألتني تلك المعلمة،
- هل تتحدث الإنجليزية باستمرار مع أبنائك ؟ أو تطلب منهم التحدث بها في المنزل ؟
- أجبتها خجلاً.. لا، في الحقيقة.. أحياناً فقط، لكن أغلب حديثنا بلغتنا العربية.
- قالت : أحسنت !

- استغربت ردّة فعلها ..! وقلت لها : كنت أعتقد أنَّك ستلومينني على عدم ممارسة الانجليزية مع ابنائي.
- قالت : كلاّ .. بل أنا أشجعك على الاستمرار فيما أنت عليه.

- وحينما رأت المعلمة الفضول والإستغراب واضحاً على ملامح وجهي .. قالت لي : أهمّ ما في هذه المرحلة العمرية أن يتعلم الأطفال التعبير اللغوي عما في داخلهم وما يشعرون به بغض النظر عن اللغة المستخدمة، وهذا ما نسميه (التطور والخيال اللغوي).

إنّ الأطفال الذين يتربّون على لغة الأم تنمو لديهم قدرة لغوية جيدة بسبب التفاعل الإيجابي والمشاركة اللغوية الفاعلة داخل البيت ، وإذا نمت وتطورت هذه القدرة اللغوية بشكل سليم استطاع الطفل بعدها تعلّم لغات مختلفة وممارستها واستخدامها جيدًا . انتهى هنا حواري مع تلك المعلمة.

هذه الظاهرة التي أشارت إليها هذه المعلمة يؤكدها علم اللغة بجديده وقديمه، فقد قال أبو الهلال العسكري ( وهو أهوازي فارسي الأصل ) في كتابه ديوان المعاني : " فمن تعلم البلاغة بلغة من اللغات ثم انتقل الى لغةٍ أخرى أمكنه فيها من صنعة الكلام ما أمكنه في الأولى ".

ولذلك نجد أنّ كثيرًا من الشعراء الكبار والأدباء اللامعين ومؤلفي المعاجم اللغوية في عصر الإسلام الذهبي كانو من غير الجنس العربي، فعبد الحميد الكاتب الذي يعود إليه الفضل في تطوير فنّ الكتابة والمراسلات والذي لم يزل كاتبًا لخلفاء بني أميّة حتى انقضت دولتهم كان فارسيًا في الأصل، وهناك عدد كبير من الأدباء والشعراء واللغويين ممن ليسو بعرب ولكنهم أضافوا للغة العربية وأسهموا في ثرائها.

هذه رسالة أنقلها لأولئك الذين يُقحمون أبنائهم في تعلم لغات أجنبية في فترة مبكرة جدًا ضنًا أنّه في صالح مستقبلهم، وهم لا يعرفون أنّهم بهذا الحرص يغتالون في أبنائهم أهمِ مهارة في هذه الحياة و هي القدرة على التواصل اللغوي الفعّال.

أقولها الآن عّن تجربة شخصيّة .. إنّ إتقان لغة أجنبية مع ضعف في مهارات التواصل والتفاعل اللغوي يشبه تمامًا حمل سلاح فتّاك مع نقص في المعرفة و الشجاعة والجرأة في استخدامه ! جهد ضائع لا فائدة منه.


مذكرات مبتعث سابق..
بواسطة : محمد سلمان العبدلي
 0  0

الأعضاء

الأعضاء:247

الأعضاء الفعالون: 23

انضم حديثًا: المحامي/ أحمد بن محمد الحريصي

التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:13 صباحاً الجمعة 6 ذو الحجة 1439.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.