• ×
الإثنين 13 صفر 1440 | اليوم
محمد سلمان العبدلي

بقلم

محمد سلمان العبدلي

النجاح ليس حظًا

روى لي أحد الزملاء قصة طريفة لأحد التجار في لقاء عابر جمعَهُ به.. يقول ذلك التاجر :

كانت حياتي عادية وبسيطة جداً، كنتُ في بداياتي أعمل (كدادًا) بسيارة أجرة من النوع الصفراء القديمة جدًا في شوارع جدة، أكتسب منها رزق يومي وقوت عيالي، وفِي يوم من الأيام حصل ازدحام مروري في أحد الشوارع الرئيسية وتكدست السيارات في طابور طويل..

يقول : كنت قريبًا من الحادث الذي سبب كل هذا الإرباك المروري، ولم يكن حادثًا كبيرًا يستدعي كل هذا الزحام الذي عطّل مصالح ناس كثيرين بينهم أنا، انتظرتُ لعلّ أن تحدث انفراجه ويتفرق الخصمان، إلّا أن طرفي الحادث بقيا منتظرين مجيئ رجل المرور ليفضّ نزاعهما، وكأن رجل المرور ملَكٌ سينزل من السماء وليس عبر الطريق الذي امتلأ بالسيارات المكدّسة التي يستحيل على سيارة المرور أن تخترقه !

يقول متابعاً : نزلت من سيارتي لأقنع طرفي الحادث بالتحرك لفك الخناق، لكنّ أحدهما وهو المتأثر من الحادث كان مصرًا على البقاء مهما كلّف الثمن، فسألته وقد أعياني الإنتظار : كم كلفة تصليح سيارتك ؟ فذكر لي مبلغًا، فأعطيته كل ما في جيبي وكان مبلغًا قريبًا مما طلبه، قلتُ : أعطيك هذا المبلغ وتتحرك الآن فورًا، فوافق صاحب السيارة، واستدرتُ أنا راجعًا إلى سيارتي لأخرج من ذلك الخناق..

وقبل أن أركب سيارتي، ناداني أحد المنتظرين من سيارته : (إيش سويت معهم ؟)
قلت : أقنعت صاحب السيارة وأعطيته غرامة تصليح سيارته لكي يتحرك ويفكنا من هذا الخناق ..!
قال : هل تعرفه ؟
قلت لا ؟
قال : وهل طلبت منه أن يعيد لك المبلغ ؟
قلت : على الله..

فتعجّب ذلك الرجل من تصرفي وفيما بعدُ عرفت أنّه أحد كبار تجار جدة ..
فقال لي ذلك التاجر : أنت لا تملك المال، لكنّك ملكت الحل ! بيننا أنا أملك المال الكثير ولم أملك الحل، وانتظاري هنا وقتًا أطول ربما سيسبب لي خسارة أضعاف ما دفعتَ !

مكتبي في المبنى الفلاني، إن أحببت أن تعمل معي فأهلًا بك..

يكمل ذلك التاجر قصته ويقول : لم آخذ الأمر بجد، كنت اعتقد أنه حديثًا عابرًا مع رجل فضولي، وفِي مرة من المرات وبعد أن ضجرت من عمل الكدادة فكرت في لقاء ذلك الشخص على أن أجد عنده عملًا أعمل به إن كان صادقًا، ولم أكن أفكر بشيئ أكبر من أن أحصل على عمل.. أيّ عمل !

دخلت على ذلك التاجر فسلمت عليه وعرفته بنفسي، في البداية لم يتذكرني، وحينما قصصت عليه قصة الحادث تذكرني مباشرة، ورحب بي بحرارة، ثم عرض على أن أعمل مشرفًا على قسم المعدات الثقيلة في قسم المقاولات، وقال : لقد وظّفت الكثير من الأشخاص لكنهم ما يلبثون حتى يغادرون لكثرة مشاكلها ومشاكل عمالها، إنه عمل مرهق، وأعتقد أن لديك الاستعداد للعمل فيها.. فهل أنت مستعد فعلًا ؟
قلت : نعم بإذن الله، وباشرت عملي منذ ذلك اليوم .

انخرطتُ تمامًا في ذلك العمل، واستمتعت فيه، ورأى مني ذلك التاجر عملًا دؤوبًا، وكنت أحل الكثير من المشكلات حتى دون الرجوع إلى صاحبي، وتطورت العلاقة وزادت الثقة بيني وبين ذلك التاجر إلى أن أصبحت الوكيل الشرعي لكل أعماله، وفتح الله عليّ باب رزق واسع.. وهذه قصتي، وانتهت هنا رواية صديقي.

تأملتُ أنا هذه القصة.. ورأيت صِدقًا أن النجاح ليس حظًا، بل هو أخلاق وفكر ومبادئ وتصرفات - وتوفيقًا من الله - حين يصدق المرء مع نفسه ويبذل ويجتهد ويتوكل على الله، والاّ لو بقي صاحبنا في سيارته لبقي ربما كدادً بقية حياته..

النجاح ليس حظًا.. بل فكر وسلوك
 1  0

الأعضاء

الأعضاء:249

الأعضاء الفعالون: 19

انضم حديثًا: علي محمد الحريصي

التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    ريم الهيج ..( صمت الجروح) 15-09-1439 03:50 صباحاً
    فعلا ربي يعطي الاسباب ويرزق اانسان ن حيث لا يحتسب ..قصه رائعه .
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:22 صباحاً الإثنين 13 صفر 1440.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.