• ×
الإثنين 13 صفر 1440 | أمس
محمد سلمان العبدلي

بقلم

محمد سلمان العبدلي

المسؤولية الفردية

مذكرات مبتعث سابق


حين أوقفت سيارتي أمام مدرسة آيرون سايد بجانب الرصيف المخصص للإنتظار صرخت في وجهي إحدى النساء طالبةً مني أن أوقف السيارة في المكان المخصص للوقوف، وإن لم أفعل ستبلغ الشرطة مباشرة !

موقف آخر داخل المعهد في قاعة الدراسة، مسحتُ بممحاة القلم بعض ما كنت قد كتبته، وخرج من الممحاة بعض الفتاتات الصغيرة جداً، قمت بكنسها بطرف يدي، لكن المعلّم أسرع مباشرة ليلتقطها ويجمعها ويرميها في صندوق النفاية، وطلب مني أن أفعل ذلك بدلاً من رميها في ساحة القاعة!

خلال جولة في سيارتي في أستراليا، كنت ممسكاً بهاتفي لإجراء مكالمة، وخلال المكالمة كنت أرى الكثير من المارة يومؤون إليّ بخطأ هذه الممارسة، وبعضهم كان يستخدم منبه سيارته لشدّ انتباهي ثم يلوّح بأن أوقف استخدام الهاتف اثناء القيادة..!

هؤلاء مواطنون عاديون ... فَلِم يفعلون ذلك ؟

ظلّ هذا الإلحاح في الحصول على لإجابة على هذا السؤال مستمراً مع كل موقف مشابه! فكرت كثيراً وكنت على قناعة أنّ الأمر أعمق من مجرد اجتهاد فردي.. و لا يمكن أن تكون أيضاً نتاج وصفات تربوية تعليمية تنتهي عند أبواب المدرسة والبيت، هذه التصرفات لا تنشأ من نفسها، لأنها - بكل تأكيد - نتاج تراكمات ثقافية عميقة.

هذه الظاهرة، أعني الشعور بالمسؤولية الفردية، تكاد تكون غائبة في كثير من المجتمعات العربية إن لم تكن كلها هذا بالرغم من النصوص الدينية التي تحث على هذه الممارسة الإيجابية!

إذاً لماذا ؟

أخيراً عثرت على إجابة أضنّها كفيلة بتبديد حيرتي، وجدتها في كتاب " كفاحي " لأدولف هتلر، وهو يتحدث عن غياب المسؤولية الفردية لدى الألمانيين في معرض كلامه عن الأسباب الثقافية والإجتماعية لسقوط ألمانيا.. وقد أثار دهشتي فيما قاله :

" ان التاريخ الذي يدرسه الألمان يصوّر المنجزات الحضارية والقومية على أنّها نتاج شخصية ( البطل ) مع اغفال كبير للجهود الحقيقية للأفراد الذين هم الوقود الحقيقي لمثل هذه المنجزات، بمثل هذا السرد التاريخي غير المنصف تتشكل لدى الأجيال الجديدة قناعة أن المنجزات القومية الكُبرى لا يمكن أن تتم إلا من خلال بطل أو زعيم يجب أن يظهر، وبهذه الطريقة نرسّخ ثقافة الكسل والإتكالية.. "

من ينظر إلى تاريخنا الإسلامي يجد فكرة تكريس البطل الواحد ظاهراً جلياً، فنحن نعرف القادة الكبار الذين فتحوا القسطنطينية والأندلس وفارس والروم، ونعرف أيضاً عددا كبيراً من القادة وأمراء البلاد الإسلامية.. لكن نكاد نكون غافلين تماماً عن الحراك الديني والثقافي والإجتماعي للأفراد والشعوب التي حدثت خلال هذه الفتوحات والتي عززت هذه الإنتصارات ومكّنت من بقائها وازدهارها.

هذه التغذية التاريخية كرّست في دواخلنا ثقافة الزعيم البطل، وأنّ كل شيئ من حولنا لا بد أن يتم بفعل شخص آخر.. أليست هذه هي الإتكالية ذاتها..!

أستطيع أن أقول مثلاً أن من يرمي مخلفاته في الشارع مقتنع تماماً أنّها لا تعنيه وإنما هي مسؤولية المسؤول ( البطل ) الذي يجب أن يمارس عمله، والمسؤول الذي يتقاعس عن عمله مقتنع تماماً أن ثمّ بطل آخر يعلوه مرتبة هو من يجب أن يقوم بدوره.. وهكذا تظل هذه السلسلة فارغة تبحث عن بطل..!
 2  0

الأعضاء

الأعضاء:249

الأعضاء الفعالون: 19

انضم حديثًا: علي محمد الحريصي

التعليقات ( 2 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    محمد قيسي 29-08-1439 02:01 مساءً
    مقال جميل جدا*

    وينشأ ناشئ الفتيان منا ع ماكان عوده ابوه
    لابد أن تزرع هذه الثقافة من المنزل*
  • #2
    زائر 29-08-1439 03:48 مساءً
    راااائع جداً
    من اجمل ما قرأت
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:43 صباحاً الإثنين 13 صفر 1440.

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.